القرآن الكريم: منهج عمل وليس للسلطنة والطرب
في زمن كثر فيه اللبس واختلطت المفاهيم، يطيب للبعض التعامل مع القرآن الكريم على أنه قطعة أثرية تُزين الجدران، أو كتاب تُتلى آياته في المناسبات والأتراح للأجر والبركة فقط، أو حتى كأنغام تُطرب الأذن في حفلات الإنشاد دون أن تمثل معانيها القلوب. لكن الحقيقة التي تغيب عن كثير من العقول أن هذا الكتاب العظيم هو في جوهره منهج عمل، ودستور حياة، وبرنامج عملي لكل فرد وأمة.
القرآن: دستور حياة شاملة
لم ينزل القرآن الكريم ليكون كتاب "سلطنة" – أي للتباهي بحفظه أو لتزيين المجالس بترتيله فقط – ولا جاء ليكون نغمات "طرب" تثير المشاعر دون أن تصل إلى مرحلة الفعل والالتزام. لو كان هذا هو المقصود الأوحد، لكانت قصة نزوله على مدى ثلاثة وعشرين عامًا لغزا غير مفهوم. لقد نزل القرآن منجمًا (على دفعات) ليعالج واقعًا، ويبني أمة، ويصحح مسارًا، ويضع القواعد للحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق.
يقول الله تعالى: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" (إبراهيم: 1). الإخراج من الظلمات إلى النور هو عملية تغيير شاملة، تحتاج إلى فعل وعمل وجهد.
التعبد بالقرآن هو الفهم والتطبيق
إن أعلى درجات التعبد بالقرآن ليست في مجرد تلاوته بترنم عذب فقط، بل في فهمه وتدبره ثم تطبيقه. كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل، فيتعلمونها ويطبقونها. القرآن كان دستورهم في السلم والحرب، في التجارة والزواج، في العدل والإحسان.
انظر إلى الآيات التي تبدأ بـ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"، تجدها في الغالب تأمر بأمر أو تنهى عن نهي أو تحكم بحكم. فهي خطاب مباشر للمؤمنين ليفعلوا شيئًا: أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويقولوا قولاً سديدًا، ويطيعوا الله والرسول. كل هذه نداءات للعمل.
خطر تحويل القرآن إلى تراث صوتي
من أخطر المظاهر في عصرنا تحويل القرآن إلى مجرد تراث صوتي نستمتع بأصوات قارئيه دون أن نتفاعل مع مضمونه. يصبح الهم الأكبر هو "الأداء" و"النغمة" بينما يغيب "الامتثال" و"الالتزام". وهذا يتناقض مع الهدف الأساسي من الإنزال: "لِتُحَكِّمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ" (النساء: 105).
خاتمة:
إن القرآن الكريم هو نور وهدى، ولكن النور ليس لمشاهدته والإعجاب ببهائه، بل السير به في ظلمات الحياة. والهدى ليس لسماعه فقط، بل للانطلاق به في واقعنا. فلنعيد للقرآن مكانته الحقيقية: منهج عمل نعيش به في حياتنا كلها، في بيوتنا وأعمالنا ومجتمعاتنا. فلنكن ممن يقولون سمعنا وأطعنا، لا ممن يقتصرون على السماع والطرب.
تعليقات
إرسال تعليق